Saturday, 19 April 2025

تكامل العقل والنقل: دراسة في النبوة والتشريع والعلم

تكامل العقل والنقل: دراسة في النبوة والتشريع والعلم
تأليف: محمود بن حمد الحمادي
التاريخ: 13 نيسان/أبريل 2025م
المقدمة: نعمة العقل السليم وتكامل العقل مع النقل
إنَّ العقلَ السليمَ نعمةٌ إلهيةٌ كبرى، وهبها اللهُ سبحانه للإنسانِ ليدركَ الحقائقَ ويستبينَ سبيلَ الهداية. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وجاءَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قوله: "إنَّ اللهَ لم يخلقْ خلقًا أكرمَ عليه من العقل" (الطبراني، المعجم الأوسط، حديث 6144، حسَّنه الألباني، صحيح الجامع، حديث 2098)، وقوله: "أوَّلُ ما خلقَ اللهُ العقلَ، فقالَ له: أقبلْ فأقبلَ، ثم قالَ له: أدبرْ فأدبرَ" (الترمذي، جامع الترمذي، حديث 2329، حسَّنه الألباني، صحيح الترمذي).
تُبرزُ هذه النعمةُ التكاملَ بينَ العقلِ والنقل، فهما جناحا الحقيقةِ لا يتناقضانِ لاتحادِ مصدرهما الإلهي. يُجسِّدُ الفهمُ الصحيحُ للقرآنِ والسنةِ هذا التكاملَ. وفي كتابِه درء تعارض العقل والنقل، أكَّدَ الإمامُ ابنُ تيمية (661-728هـ) أنَّ العقلَ السليمَ يؤيِّدُ النقلَ الصحيحَ، وأنَّ أيَّ تعارضٍ ظاهريٍّ ينشأُ من سوءِ فهمِ النصوصِ أو قصورٍ في التفكير. لقد جمعَ الأنبياءُ بينَ العقلِ والوحيِ والمعجزاتِ لدحضِ الأفكارِ المغلوطة، في حينِ تواجهنا اليومَ آراءٌ شاذةٌ، كالاعتقادِ بتسطيحِ الأرض، تنحرفُ عن العلمِ والنقلِ معًا.
يستهدفُ هذا الكتيبُ استعراضَ تكاملِ العقلِ والنقل، مع إبرازِ نعمةِ العقل، إعجازِ القرآنِ اللغوي، تكاملِ العلمِ والعقيدة، أدوارِ العقلِ والإجماعِ والقياسِ في التشريع، تفسيرِ آية ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾، أحاديثَ تدعو إلى التفكيرِ في العلم، وتميّزِ الفهمِ الصحيحِ، ليكونَ دليلًا في عصرِ المعلومات.
الفصل الأول: دور ابن تيمية في تكامل العقل والنقل
 * أهميةُ العقلِ والنقل: أكَّدَ ابنُ تيمية في درء تعارض العقل والنقل أنَّ العقلَ السليمَ لا يناقضُ النقلَ الصحيحَ، بل يشهدُ له (ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص5). دعا إلى تفسيرِ النصوصِ بما يتسقُ مع الحسِّ والواقعِ، متبعًا الفهمَ الصحيحَ في رفضِ التأويلاتِ المنحرفة.
 * التطبيق: يُوجِّهُ هذا النهجُ التعاملَ مع العقيدةِ والعلمِ والتشريع، رافضًا الآراءَ الشاذةَ التي تُسيءُ فهمَ النصوص.
 * الأهمية: يُشكِّلُ إطارًا لفهمِ مقاومةِ الأنبياءِ للأفكارِ المغلوطةِ ومواجهةِ التحدياتِ المعاصرة.
الفصل الثاني: مقاومة الأنبياء للأفكار المغلوطة
 * إبراهيمُ عليه السلام: استخدمَ العقلَ لدحضِ عبادةِ الكواكب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76-79]، وأُيِّدَ بمعجزةِ النجاة: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
 * النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم: واجهَ اتهاماتِ المشركينَ بالوحي: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ...﴾ [الفرقان: 7]، وحثَّ على التفكر: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ...﴾ [ص: 29]. أُيِّدَ بمعجزاتٍ، منها:
   * انشقاقُ القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1].
   * إعجازُ القرآنِ اللغوي: تحدَّى العربَ ببلاغته: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ...﴾ [الإسراء: 88]، و﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: 38]. اشتملَ على الإيجازِ (الكوثر: 1-3)، الدقةِ (الزمر: 5)، التشريعِ (النساء: 11-12)، التأثيرِ النفسيِّ (المزمل: 5)، والتحديِّ المستمرِّ (الطور: 34).
 * التكامل: جسَّدَ الأنبياءُ التكاملَ بينَ العقلِ والنقل، مستخدمينَ المعجزاتِ لتأكيدِ الحقِّ، كما دعا ابنُ تيميةَ إلى التمسكِ بالنصوصِ مع دعمها بالعقل.
الفصل الثالث: الآراء الشاذة وتحديات العصر
 * المثال: الاعتقادُ بتسطيحِ الأرضِ يتجاهلُ الأدلةَ العلميةَ (صورُ الفضاء، قياساتُ الفلك).
 * سوءُ فهمِ النقل: يستخدمُ آياتٍ كـ ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: 19] بتأويلٍ حرفيٍّ، متجاهلًا آياتِ التكوير: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: 5].
 * غيابُ البرهان: على عكسِ الأنبياءِ المدعومينَ بالمعجزات، تفتقرُ هذه الآراءُ إلى تأييدٍ إلهيٍّ.
 * وسائلُ التواصل: تُضخِّمُ الشائعات، مما يستوجبُ التحقق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
 * النهجُ الصحيح: يدعو إلى مواجهةِ هذه الآراءِ بالعقلِ والنقلِ الصحيحِ، رافضًا التأويلاتِ المنحرفةَ (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج17، ص45).
الفصل الرابع: العلم والعقيدة: دراسة في التكامل
 * التكامل:
   * يدعمُ العلمُ العقيدةَ: يكشفُ نظامَ الكونِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾ [آل عمران: 190]. مثال: اتساعُ الكونِ يتسقُ مع ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47].
   * تُوجِّهُ العقيدةُ العلمَ: توفِّرُ أخلاقًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ...﴾ [الحج: 8]، وغايةً: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16].
 * الحدود:
   * يعني العلمُ بالمحسوسِ (كرويةُ الأرض).
   * تتعلقُ العقيدةُ بالغيبِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...﴾ [الإسراء: 85].
 * التقاطع: يصفُ العلمُ الكيفيةَ، وتوضِّحُ العقيدةُ الغايةَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا...﴾ [الأنبياء: 30].
 * أحاديثُ تدعمُ التفكيرَ في العلم:
   * "من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سلكَ اللهُ به طريقًا إلى الجنة" (مسلم، صحيح مسلم، كتاب الذكر، حديث 2699).
   * "تفكَّروا في آلاءِ اللهِ ولا تفكَّروا في ذاتِ الله" (البيهقي، شعب الإيمان، حديث 4351، صححه الألباني).
 * إعجازُ القرآن: يربطُ العلمَ (بلاغة، إشاراتٍ علمية) بالعقيدةِ (إيمانٌ إلهيٌّ).
 * الفهمُ الصحيح: يؤكِّدُ أنَّ الفهمَ الصحيحَ جمعَ بينَ العقلِ والنقلِ، مستلهمًا النصوصَ للتفكرِ في العلمِ والإيمانِ (ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، ج3، ص12).
الفصل الخامس: دور العقل في التشريع
 * تعريفُ التشريع: الأحكامُ المستمدةُ من القرآنِ والسنةِ، تشملُ العباداتِ والمعاملاتِ.
 * دورُ العقل:
   * فهمُ النصوصِ: تدبُّرُ القرآنِ والسنةِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ...﴾ [النساء: 82].
   * الاجتهادُ: القياسُ والاستصلاحُ، كقياسِ عقوبةِ الخمرِ (البخاري، صحيح البخاري، حديث 6784).
   * إدراكُ العللِ: فهمُ حكمةِ الأحكامِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ...﴾ [البقرة: 219].
 * الحدودُ: يخدمُ العقلُ النصوصَ، ولا يشرِّعُ مستقلاً (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج19، ص203).
 * النهجُ الصحيح: استخدمَ الفهمُ الصحيحُ العقلَ ضمنَ النصوصِ، كاجتهادِ عمرَ في الأراضي (أبو داود، سنن أبي داود، حديث 3028). دعا ابنُ تيميةَ إلى الاجتهادِ المنضبطِ (درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص88).
الفصل السادس: دور الإجماع في التشريع
 * تعريفُ الإجماع: اتفاقُ علماءِ الأمةِ في عصرٍ على حكمٍ شرعيٍّ، مصدرٌ تشريعيٌّ بعدَ القرآنِ والسنةِ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ...﴾ [النساء: 115].
 * دورُ الإجماع:
   * تثبيتُ الأحكامِ: كجمعِ القرآنِ في عهدِ عثمانَ (البخاري، صحيح البخاري، حديث 4987).
   * الحكمُ في مسائلَ جديدةٍ: كعقوبةِ المرتدِّ (البخاري، صحيح البخاري، حديث 6878).
 * حجيَّةُ الإجماعِ: "لن تجتمعَ أمَّتي على ضلالةٍ" (ابن ماجه، سنن ابن ماجه، حديث 3950، صححه الألباني).
 * الحدودُ: الإجماعُ ملزمٌ، لكنه لا يعلو على النصِّ (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج20، ص12).
 * النهجُ الصحيح: اعتبرَ الفهمُ الصحيحُ الإجماعَ مصدرًا، كخلافةِ أبي بكرٍ (مسلم، صحيح مسلم، حديث 1699). أكَّدَ ابنُ تيميةَ حجيَّته مع التمسكِ بالنصوصِ (مجموع الفتاوى، ج3، ص157).
الفصل السابع: دور القياس في التشريع
 * تعريفُ القياس: استنباطُ حكمٍ فرعيٍّ من أصلٍ منصوصٍ بناءً على علةٍ مشتركةٍ، مصدرٌ تشريعيٌّ بعدَ القرآنِ والسنةِ والإجماعِ.
 * دورُ القياس:
   * توسيعُ الأحكامِ: كقياسِ تحريمِ المخدراتِ على الخمرِ لعلةِ الإسكارِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ...﴾ [البقرة: 219] (البخاري، صحيح البخاري، حديث 6784).
   * الاجتهادُ في غيابِ النصِّ: كقياسِ عقوبةِ السرقةِ على مسائلَ مشابهةٍ لحفظِ المالِ (مسلم، صحيح مسلم، حديث 1687).
 * شروطُ القياسِ: أصلٌ منصوصٌ، فرعٌ بلا نصٍّ، علةٌ مشتركةٌ، حكمٌ مطابقٌ. مثال: قياسُ بيعِ التمرِ بالدينِ على تحريمِ الربا (مسلم، صحيح مسلم، حديث 1587).
 * الحدودُ: لا يعارضُ القياسُ نصًّا صريحًا (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج20، ص60).
 * النهجُ الصحيح: استخدمَ الفهمُ الصحيحُ القياسَ، كاجتهادِ الصحابةِ (البخاري، صحيح البخاري، حديث 7352). أكَّدَ ابنُ تيميةَ مشروعيَّته إذا استوفتْ شروطَه (درء تعارض العقل والنقل، ج7، ص45).
الفصل الثامن: تميّز الفهم الصحيح عن الفرق الأخرى
 * تعريفُ التميُّز: يتميَّزُ الفهمُ الصحيحُ بالرجوعِ إلى القرآنِ والسنةِ بفهمٍ أصيلٍ، مع التوازنِ بينَ العقلِ والنقلِ، بعكسِ الفرقِ الأخرى التي قد تنحرفُ بالتأويلِ أو التعطيلِ.
 * سماتُ التميُّز:
   * التمسكُ بظاهرِ النصوصِ: يُفسَّرُ النصوصُ بما يتسقُ مع سياقها، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، دونَ تأويلٍ معطِّلٍ كالجهميةِ أو تشبيهٍ كبعضِ المجسمةِ (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج5، ص37).
   * التوازنُ بينَ العقلِ والنقلِ: يستخدمُ العقلَ لتأييدِ النصوصِ، بخلافِ المعتزلةِ الذين قدَّموا العقلَ على النقلِ، أو بعضِ الظاهريةِ الذين قصروا على ظاهرِ النصِّ (درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص20).
   * رفضُ البدعِ: يتمسكُ بالسنةِ ويرفضُ التأويلاتِ الفلسفيةَ، كالصوفيةِ الغاليةِ أو الشيعةِ في تأويلِ النصوصِ لصالحِ معتقداتهم (مجموع الفتاوى، ج13، ص145).
   * شموليةُ الفهمِ: يجمعُ بينَ العقيدةِ والفقهِ والأخلاقِ، مستندًا إلى إجماعِ السلفِ، كخلافةِ أبي بكرٍ (مسلم، صحيح مسلم،

No comments:

Post a Comment